في عالم الأعمال، المشاريع كالبيوت المبنية من بطاقات اللعب، بناء نموذج جيد يستغرق وقتا طويلا وكثيرا من الصبر والتركيز والدقة، لكن حركة واحدة خاطئة، نسمة هواء شاردة، كفيلة بتحطيم كل شيء وتكويمه على الأرض مجددا.

كذلك هي المشاريع؛ ربما تمكنت من بناء مشروع أحلامك، زبائنك راضون عما تقدمه لهم، ومداخيلك جيّدة، باختصار كل شيء يسير على ما يرام، هل حان وقت الاسترخاء؟ كلا، خطوة واحدة خاطئة قد تعيدك إلى نقطة البداية.

في هذا المقال نستعرض معك عشرة أخطاء من المحتمل أن تتسبب في تحطم مشروعك:

عدم التعامل باحترافية

أن تتعامل مع زبائنك وموظفيك كما تعامل أصدقاء هو وسيلة جيّدة لتحطيم مشروعك، أن تلقي الدعابات في اجتماعات العمل باستمرار، تخبرهم عن حياتك الخاصة، ما طبخت زوجتك على الغداء وكيف يرهقك ابنك بدرجاته المنخفضة، وكيف لا تعرف لون الستائر الجديدة الذي عليك اختياره، ستفقد جزءا من احترامك وهيبتك كصاحب المشروع بهذا الشكل، لن ينظر إليك عملاؤك كشخص محترف، وسيراك موظفوك كشخص يسهل التحكم فيه.

لا أحد يطلب منك التحول إلى آلة، بعض المرح في العمل من حين لآخر مقبول مادمت تحافظ على التعامل باحترافية ومهنية، لكن لا تنسى أن بعض التصرفات غير مناسبة في إطار علاقات العمل.

معاملة الزبائن كأرقام

عملاؤك أشخاصٌ لديهم مشاعر، يملكون درجة حساسية عالية، إذا أخطأت معهم بنصف كلمة، فقد تجد لها ألف تأويل وانتقاص من مهنيتك. لكل واحد منهم تفرّده واحتياجاته الخاصة، فمن المهم جدا أن تشعرهم أنك تفهم هذا التفرد وتتعامل على أساسه للحفاظ عليهم. في اللحظة التي يصبح فيها عملاؤك مجرد ملفات مرقمة في سجلاتك تستخدمها لحساب عائداتك، أنت تضع مشروعك في منعرج خطير عادة ما يقوده إلى الفشل.

هنالك خطأ فادح قد ترتكبه بإساءة التصرف مع شخص تعتقد أنّه لن يعود عليك بأيّة فائدة، متناسيا أنّ تجربتك مع هذا المستخدم ستؤثر على الآخرين، هذا الشخص الذي يتصرّف بشكل فظّ قد يستقطب لك زبائن محتملين، قد يحدثهم عن لباقتك في الرد على تصرفه السيء، أو على الأقل إذا لم يأخذ انطباعا سيئا فسيخبر أصدقاءه عن شركتك في المرة التي يحتاجون منتجا يتوفر عندك، لذلك لا تحاول فلترة زبائنك بطرد الذين لا تحتاجهم، حسن معاملة الجميع عامل مهم لاستقطاب آخرين لم تخطط يوما لاستهدافهم.

يمكن أيضا أن تقلب استفزازات العملاء إلى صالحك ببراعة، قبل أيام لاحظت على صفحة لإحدى أهم شركات الاتصالات في العالم العربي تعليقا ساخرا، شخص يطلب من الشركة إرساله لقضاء عطلة في جزر المالديف بطريقة تهكمية، ببساطة تم الرد عليه بمنتهى البراعة “سنحوّل طلبك للجهات المختصّة لدينا لدراسته”، لم يخسر مسؤول التواصل شيئا في هذا الرد، بل ربح تقدير المتابعين والكل تحدّث عنه، هكذا قد تقلب كلّ شيء لصالحك! طبعا إذا كنت تعتمد على مسؤول تواصل لبق وذكي بما فيه الكفاية.

تجاهل شكاوى العملاء

مهما كانت فكرتك إبداعية وعملية، تمويلك جيد وموظفوك أكفاء، إن لم يجد مشروعك أي زبائن فهو مشروع فاشل، لذلك يتوجّب عليك الاستماع للشكاوى وأخذها بجدية، إن وجد العملاء أن تصميم موقعك منفّر مثلا.. مهما أحببته غيِّره، الموقع موجود لأجلهم. أطلب آراءهم لاستقبال الشكاوى بطريقة دبلوماسية أفضل من أن يقدموها إلى عملائك المحتملين مستقبلا! واحذر أن تحذف آراء من ينتقدونك أو ينتقصون من قيمة عملك، عندما يود العميل شراء منتج ما، في العادة يحب الاطلاع على شهادات العملاء الآخرين، وإذا وجد أنّها إيجابية كلّها فسيشكّك في مصداقيتك.

عندما تأخذ ما يقوله عملاؤك بجدية، فهذا لا يعطيهم ما يريدونه فحسب، بل يظهر لهم أنك فعلا مهتم بهم وتأخذ الوقت للحرص على جعل عملك مناسبا لاحتياجاتهم، هذا سيكسبك احترامهم وفي العادة تحصل على زبائن أوفياء يستمرون بالتعامل معك مستقبلا.

إهمال الوقت

أهم شيء تملكه هو وقتك، في عالم الأعمال “الوقت هو مال”، وبقدر قيمة وقتك تكون قيمة ما تحصل عليه. فإن أردت لمشروعك أن يتحطم فأسئ ترتيب أولوياتك، امنح الكثير من الوقت لأشياء عديمة قيمة، لا تستخدم أية قوائم أو وسائل لتنظيم الوقت، وإن حدث وكتبت قائمة فلا تعد إليها بعد ذلك أبدا، إذا كنت تعاني من الضغط أو ضيق الوقت، إليك هذه الحلول.

افتقاد اللطف، والتعامل مع الأمور بعاطفية

أنت تحب مشروعك، الجميع يتفهم هذا، لست ملاما أن تحمل مشاعر قوية تجاه مشروعك، لكن أن تسمح لها بالانفجار والتحكم فيك أثناء العمل هذا شيء غير مقبول.

لا تأخذ الأمور على محمل شخصي زيادة عن اللزوم، إن سمحت لنفسك بالانهيار والتفكير بعاطفية في كل مشكلة تقابلك، فأنت تظهر لعملائك وموظفيك على حد سواء أنك شخص يفتقد الاتزان ويصعب الاعتماد عليه، كما أن الانفعال الزائد سيفقدك فرصة التفكير بعقلانية لإيجاد حل لمشاكلك، الغضب والتفكير العقلاني نادرا ما يجتمعان، لذلك إن وجدت نفسك في موقف أفقدك أعصابك فابتعد قليلا حتى تهدأ، أو يمكنك أن تترك العمل لما تبقى من اليوم فأن تفقد يوم عمل واحد أفضل من أن تفقد المشروع كاملا بسبب لحظة تهور، حتى إن كنت تعتقد يقينا أنّ معك الحق فقل ما تريده بلطف وراعي مشاعر الآخرين، الكل ينظر إليك كمدير مشروع لا كشخص عادي.

بحديثنا عن الحفاظ على تعاملك اللبق، يحضرني ما تحدث عنه مؤسس ومدير أمازون”جيف بيزوس” في محاضرته التي قدمها لخريجي جامعة برينستون، فضّل أن يتحدّث عن تجربة طريفة على أن يتحدث عن علوم الحاسوب والتكنولوجيا، أثناء فترة طفولته كان في رحلة مع جديّه وكان شغوفا بالحِساب، عندما تذمّر من جدته التي تدخّن طوال اليوم بدأ يعدّ السجائر التي تدخّنها والخطر الناجم عن كلّ نفخة، ليتوصل بنتيجة نهائية يلقيها في وجهها “لقد قضيت على تسعة سنوات من عمرك!”، بدأت جدّته تبكي فأوقف جدّه السيارة وقال له:

“جيف، سوف تفهم يوما ما، أنّ التحلي باللطف أصعب من التحلي بالذكاء”.

سوء اختيار الموظفين

إن كان مشروعك ناميا بما يكفي أو في طريقه نحو النمو، فأنت محكوم باستخدام موظفين أو مستقلين، وأسرع طريقة لتحطيم مشروعك هي توظيف الأشخاص الخطأ.

هل تذكر في البداية عندما قلنا إن المشاريع هي كبيوت أوراق اللعب، فكر في موظفيك كأوراق.. أرضيتك جيّدة، النافذة مغلقة بإحكام ولا سبيل لدخول الهواء، تركّز جيّدا وتصّر أن تضع كل ورقة في مكانها بعناية، لكن تخيل الآن أن إحدى الأوراق مثنية الأطراف أو ليست بقوة الأوراق الأخرى، البيت سينهار بغض النظر عن كل ما فعلته!

إن أول ما يلفت الانتباه للشركات الكبرى هو طبيعة موظفيها، أن يخبرك شخص ما أنّه يعمل في شركة معينة دليل على إمكانياته العالية بسبب المعايير الصارمة لتلك الشركة، لذلك من المهم أخذ الوقت اللازم لاختيار موظفيك بناءً على كفاءاتهم قبل كلّ شيء.

عدم التجديد

في السنة الماضية استخدمت استراتيجية رفعت عدد الزبائن بشكل ملحوظ وحقق المشروع بها نجاحا باهرا، يمكنك إذن إعادة الشيء نفسه هذه السنة؟ أجل، إن كنت تريد لمشروعك أن يدخل دائرة الركود قبل أن ينهار، فيمكنك دوما تكرار استراتيجيات السنة الماضية التي تنسخ من استراتيجيات السنة التي قبلها وهكذا دواليك.

عالم الأعمال هو عالم سريع التطور، قطار سريع نسعى دائما أن نكون على متنه، حتى وإن كان ذلك في آخر مقعد، أفضل من عدم اللحاق. واظب دائما على متابعة الدورات والقراءة في مجالك، استفد من المحاضرات، أحرص على تبادل الخبرات مع أشخاص في مجالك، عالم الأعمال هذه السنة مختلف عن السنة الماضية، وزبائن هذه السنة واحتياجاتهم تختلف عما كانت عليه السنة الماضية، ولن تكون نفسها بعد سنة من الآن أيضا.

كن حريصا على ضخّ روح جديدة في عملك، الكثير من الشركات العالمية حقّقت نجاحا باهرا بعد أن غيّرت الأفكار التي بدأت بها أو طوّرتها، تويتر بدأت كخدمة توصيل للبودكاست، فايسبوك كشبكة تواصل بين طلاب هارفرد، حتى أمازون بدأ كموقع بسيط لبيع الكتب!

قيادة جيش آلات

عودة إلى مثال أوراق اللعب، مهما كانت أوراقك ذات جودة عالية فهي محكومة بأن تهترئ وتُسقط ما بنيته كاملا إن لم تولها العناية الضرورية.

عُمّالك بشر وليسوا جيش آلات بلا شعور، من المهم أن تعاملهم بمقدار الاحترام والتقدير نفسه الذي تقدمه لزبائنك. أن تكافئهم إن قدّموا عملا مميّزا، تثني على مجهوداتهم، تخصّص لهم علاوات وامتيازات خاصة كتوفير وجبة الغداء طوال أيام السنة مجانا بعد التعاقد مع المطعم الذي بجوار مؤسستك كخطوة بسيطة لشركتك الناشئة، ثم تتقدّم إلى خطوات أهم تدريجيا بالتوازي مع تقدّم عائداتك وتوسّع شركتك، والأهم من ذلك أن تستمع إلى مشاكلهم وتسعى دائما لتوفّر لهم مساحة إبداعية.

استفد من نماذج الشركات الكبرى، أكثر الشركات نجاحا تجد فيها عناية كبيرة بالعمال واحتياجاتهم، وتحافظ على نسبة رضا عالية جدا لدى العمال. على سبيل المثال شركة فايسبوك، إحدى أنجح الشركات عالميا، تعتبر الشركة ذات المعدل الأعلى لرضا العمال على المستوى الأمريكي،  حيث بلغت نسبة 97%،إذ توفر لموظفيها عدة مزايا: يبلغ متوسط الأجور لعمالها 135 ألف دولار، رعاية صحية وأطباء في مقر العمل، خدمات تنظيف وتجفيف للملابس، درّاجات للتنقل داخل المقر، والأهم عطلة أبوة مدفوعة  من  أربعة أشهر لكلا الأبوين لقضائها مع المولود الجديد، المثير للاهتمام أن العطلة صالحة حتى في حالة التبني! كل الميزات السابقة،صنفت فايسبوك كإحدى أفضل الشركات للعمل فيها على الإطلاق.

لا تجعل الأمر “مشروعي وعُمّالي” بل “مشروعنا”، أشعِر موظفيك أنّهم جزء من المشروع وأن أي نجاح يحقّقه المشروع هو نجاح لهم، في تلك الحالة سيقدّمون ما لديهم بسعادة، لن يعملوا لأجل الراتب وحده بل لأجل النجاح.

الكمية أهم من النوعية

التضحية بجودة العمل قد توفر وقتا أكبر مما يعني زبائن أكثر، لكنه أيضا يعني أن زبائنك لن يعودوا بعدها مرة أخرى.الزبائن سريعو الملاحظة عندما يتعلق الأمر بانخفاض في نوعية الخدمة أو السلعة المقدّمة، وبالتالي الابتعاد تدريجيا عنك لمنافس يقدّم لهم ما يريدونه بجودة أفضل.

قد يستغرق التركيز على الجودة وقتا أطول، ويعني القدرة على خدمة زبائن أقل، لكن هؤلاء الزبائن سيستمرون بالعودة، وسيدفعون أكثر، وسيتوسّع عملك بشكل أكبر، مع الوقت يمكنك إضافة موظفين جدد لتلبية طلبات أكثر، لكن ليس على حساب الجودة.

لم نسمع يوما بمنتجات شركة شانال للملابس والعطور تغرق السوق، لكنّها بالتأكيد تحقّق في بضعة سنوات ما لن تحلم أيّ من الشركات الصينية التي ترى منتجاتها في كل مكان بتحقيقه طوال مسيرتها.

الجودة قبل كل شيء، إلّا إن أردت لمشروعك أن يتحول لإحدى تلك المشاريع التي تغرق السوق لسنة ثم لن يسمع عنها أحد بعد ذلك عندما يلاحظ الجميع رداءة ما تقدمه.

القيام بكل شيء بمفردك

الثقة بالآخرين قد تكون صعبة، أنت وحدك من ترى الصورة كاملة وتعرف بالضبط ما يجب أن يكون عليه مشروعك، لكن السبيل الوحيد كي تتحمّل مسؤولياته وحدك هو بأن تبقيه صغيرا جدا بحيث يكون بعيدا كل البعد عما تطمح أن يكون عليه يوما ما، لا سبيل لتكبير مشروعك دون إلقاء بعض المسؤوليات على أشخاص آخرين، استخدم أشخاصا أذكياء تثق بهم، أعلمهم بما تريد الوصول إليه ودع لهم التصرف في بضعة أمور، أطلب الخدمات التي يمكن أن يقوم بها غيرك، كالتصميم والبرمجة، الكتابة والتسويق.. ستجد الكثير من الأشخاص الجيّدين  في مجالاتهم الذين يستطيعون مساعدتك، هذا يتيح لك الوقت للاهتمام بالأشياء الأهم التي لا يستطيع أحد القيام بها غيرك، الخدمات المصغرة قد تصبح فعلا بمثابة الحلّ المثالي لأصحاب الشركات الناشئة فلا تهملها.

استمع لآراء المستقلين أيضا، أنت تطلب الخدمات من أشخاص أذكياء كي يساعدوك فيما عليك فعله لا كي تملي عليهم كل أفعالهم، بالتأكيد المشروع هو مشروعك، لكنك لا تعرف كل شيء، لا ضير من نقاش بعض الأفكار وحتى التنازل عن بعض أفكارك على حساب أخرى أفضل، أنت هو المستفيد من كل هذا.

اخترنا لك عشرة أخطاء وجدناها الأخطر والأكثر شيوعا، ابق متيقظا لها، وتعلّم أكثر لتتجنّب الوقوع في المزيد من الأخطاء.. الطريق أمامك، قدّم شيئا مميّزا واقتحم مجالك، العالم بانتظارك!

الكاتب: كوثر مولي