دليلك إلى التسويق بالمحتوى

تخيل أنك تبني مدينة من الصفر؛ هل ستبدأ بوضع الأبنية دون تخطيط مسبق؟ بالتأكيد لا! ستحتاج إلى عمل خريطة واضحة للشوارع، والمرافق، والبنية التحتية، لضمان بناء المدينة بطريقة منظمة ومستدامة.

هذا بالضبط ما يحدث في التسويق بالمحتوى. لا يكفي أن تكتب مقالات، وتنشر فيديوهات، وتشارك منشورات على الشبكات الاجتماعية، دون استراتيجية واضحة. فبدونها ستتراكم لديك “مباني محتوى” بلا أساس متين.

بعد العمل على أكثر من 20 استراتيجية محتوى ناجحة، توصلت إلى خطوات شاملة لإنشاء محتوى مؤثر، لا يُستهلك فقط، بل يُحدث فرقًا حقيقيًا في رحلة العميل.

1. تحديد الأهداف بوضوح

عند غياب الأهداف المحددة، يصبح المحتوى مجرد ضوضاء رقمية. فالشركات التي لا تحدد أهدافها مسبقًا تعاني من ضياع الجهود، وتفتقر إلى معايير نجاح واضحة، مما يجعل تقييم الأداء واتخاذ قرارات تحسين صعبًا.

عادةً ما تنقسم أهداف المحتوى إلى ثلاث أنواع:

  • زيادة الثقة والوعي بالعلامة التجارية عبر محتوى تعليمي وحالات دراسة.
  • تحسين معدلات التحويل عبر محتوى موجّه يشرح فوائد المنتج.
  • بناء ولاء العملاء من خلال محتوى حصري مثل النشرات البريدية.

لتحديد أهدافك من المحتوى بفعالية، استخدم نموذج الأهداف الذكية SMART (محددة، قابلة للقياس، قابلة للتحقيق، ذات صلة، محددة بزمن). واحرص على وضع أهداف قصيرة المدى مثل: “زيادة عدد الزيارات بنسبة 20% خلال 6 أشهر”، وأخرى طويلة المدى مثل: “تعزيز مكانة العلامة التجارية في السوق خلال عامين”.

2. فهم جمهورك بعمق

تفترض كثير من الشركات أنها تعرف عملاء ها جيدًا، لكنها قد تعتمد على تصورات سطحية لا تعكس الاحتياجات الحقيقية. النتيجة؟ محتوى عام ومكرر، لا يضيف قيمة حقيقية، وبالتالي لا يحقق أي تأثير. لفهم جمهورك جيدًا، عليك أن تدرك تفاصيل مشكلاتهم، ومخاوفهم، وطموحاتهم، تمامًا كما يفعل طبيب يشخّص مرضًا قبل وصف العلاج.

بعد تحديد صفات جمهورك الرئيسية، مثل العمر والجنس والبلد، تعمق في تحليل نقاط الألم والاحتياجات المتعلقة بما تقدمه: ما العوامل العاطفية المؤثرة؟ ولماذا لم تنجح الحلول السابقة؟ اعتمد على أدوات تحليل السلوك مثل Google Analytics وHotjat، واستطلاعات الرأي والمقابلات المباشرة، وتحليل الفجوات في المنافسين.

كيف تؤثر معرفة الجمهور على المحتوى؟

تتأثر أنواع المحتوى بناءً على تفضيلات الجمهور وسلوكهم، على سبيل المثال؛ إذا كان جمهورك يفضل المعلومات السريعة، فربما ينبغي التفكير بالانفوجرافيك، وإن كان يستهلك المحتوى البصري كثيرًا، فركز على الفيديو والتصميمات التفصيلية، وإذا كان يبحث عن تحليلات معمقة، فالمقالات والتقارير التفصيلية هي الخيار الأفضل.

يتأثر المحتوى أيضًا بمرحلة الوعي لدى الجمهور المستهدف، ففي إحدى الشركات التي عملت معها، كانت تقدم حلولًا للدفع الرقمي، ولكن أغلب جمهورها لا يدرك الفائدة الفعلية لحلولها وماهيتها. لذا قررنا الاعتماد على المحتوى التعليمي بالبداية لبيان ميزات الحلول الرقمية، ومقارنتها بطرق الدفع التقليدية. وبمرور الوقت، أدخلنا محتوى يؤثر في مرحلة التفكير والقرار كتجارب المستخدمين ودراسات الحالة.

3. تحديد رسالة المحتوى والنبرة

كل علامة تجارية تمتلك رسالة تميزها، لكن التحدي يكمن في صياغتها بأسلوب واضح يعكس قيمها ويصل إلى الجمهور بطريقة مؤثرة. وهنا تأتي نبرة الصوت، والتي تتأثر بعدة عوامل:

صورة العلامة التجارية

  • هل هي علامة تجارية تستهدف الفخامة والرقي؟ ستعتمد على نبرة رسمية راقية.
  • هل تركز على البساطة والقرب من العملاء؟ ستتحدث بلغة سهلة وودية.
  • هل تسوّق للمنتجات التقنية أو العلمية؟ تحتاج إلى لغة دقيقة مع لمسة توضيحية مبسطة.

طبيعة الجمهور المستهدف

  • هل هو جمهور شاب يتفاعل مع لغة ودية وغير رسمية، أم احترافي كالاستشاريين وأصحاب الأعمال، ويفضل الأسلوب الرسمي؟
  • هل يبحث عن محتوى عاطفي وملهم، أم يفضل الصياغات الدقيقة والمباشرة؟

على سبيل المثال: علامة تجارية متخصصة في المنتجات الطبيعية للعناية بالبشرة. إذا خاطبت جمهورها بلغة علمية جافة، ستبدو بعيدة عن اهتماماتهم. لكن عندما تستخدم نبرة دافئة، مليئة بالإحساس والاهتمام، مثل: “نؤمن أن بشرتك تستحق الأفضل، ولهذا نقدم لكِ نقاء الطبيعة دون إضافات”، فإنها تخلق اتصالًا أعمق وتكسب ولاء العملاء.

تذكر أن رسالتك ليست مجرد كلمات في المحتوى، بل تجربة يعيشها جمهورك مع كل تفاعل.

4. اختيار القنوات المناسبة

استراتيجية “انشر في كل مكان” قد تبدو جذابة، لكنها ليست فعالة دائمًا، فلا يصلح كل المحتوى لجميع القنوات. لأن كل منصة لها طبيعتها وجمهورها، وما يناسب إكس مثلًا، قد لا يحقق النجاح ذاته على المدونات أو البريد الإلكتروني. السر يكمن في اختيار القنوات التي يتواجد فيها جمهورك بشكل طبيعي، حيث يتفاعل بحرية ويبحث عن المحتوى الذي تقدمه. مع مراعاة أنواع المحتوى حسب الآتي:

  • المدونات: إذا كان جمهورك يبحث عن محتوى تعليمي معمق ومصادر موثوقة، وتريد جذبه عبر محركات البحث.
  • الشبكات الاجتماعية: عندما تحتاج إلى التفاعل مباشرة مع جمهورك، سواء بالفيديوهات أو الأسئلة أو المنشورات القصيرة.
  • الفيديو: تكون مناسبة عندما تقدم محتوى يعتمد على التوضيح المرئي، كالشروحات للمنتجات أو المفاهيم المعقدة، والدروس، أو إذا كان جمهورك يفضل المحتوى المرئي التفاعلي.
  • البريد الإلكتروني: النشرات البريدية مناسبة عندما تستهدف شريحة مخصصة ومهتمة بالمحتوى الذي تقدمه.
  • البودكاست: عندما يفضل جمهورك المحتوى السمعي، وتتسم طبيعة محتواك بالمقابلات أو إجراء الحوارات.

يمكنك تحديد أكثر من قناة لتوزيع المحتوى، والاعتماد على إعادة توظيفه وضبطه حسب طبيعة المنصة.

5. تخطيط تقويم محتوى مرن

التخطيط الفعّال للمحتوى لا يعني مجرد تحديد مواعيد نشر، بل بناء رؤية استراتيجية تغطي احتياجات الجمهور وتواكب اهتماماتهم. عند إعداد تقويم المحتوى، ينبغي تنويع الموضوعات والأساليب لضمان تقديم محتوى يجذب الانتباه ويحفّز التفاعل.

راعِ أثناء التخطيط تغطية احتياجات الجمهور بالبحث عن أسئلة لم تُجب بعد، ومشكلات لم تُحل، دون التركيز على ما هو شائع فحسب. كما ينبغي الموازنة بين المحتوى الدائم واللحظي، فالأدلة الشاملة تظل مفيدة على المدى الطويل، بينما الموضوعات الجدلية أو الموسمية تحفز النقاش والتفاعل السريع.

على سبيل المثال، مقال مثل: “دليلك إلى إنشاء استراتيجية محتوى ناجحة”، يعد مقال تحليلي وإرشادي، أما مقال مثل: “لماذا يجب أن تكون مقالاتك قصيرة؟” يحفز النقاش ويجذب الآراء المختلفة، ومقال مثل: “هل التسويق بالمحتوى يفقد تأثيره؟” يشجع الجمهور على التفكير ويثير التساؤلات.

6. إنشاء خطة محتوى متكاملة

المحتوى الناجح لا يبدأ وينتهي بمنشور على الشبكات الاجتماعية أو مقالة على المدونة، بل هو عملية متكاملة تبدأ بفكرة محورية تتوسع ويُعاد توظيفها بذكاء. لضمان تحقيق أقصى تأثير، أنصح بأن ينطلق المحتوى من المدونة بمقالات متعمقة، ثم يتوزع على القنوات المختلفة وفقًا لطبيعة كل منصة.

على سبيل المثال، يمكنك تحويل مقال شامل منشور في المدونة إلى:

  • منشورات قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي تسلط الضوء على الأفكار الرئيسية.
  • فيديوهات توضيحية لنشرها على يوتيوب أو إنستقرام وتيك توك.
  • سلسلة من النشرات البريدية تقدم تحليلات إضافية أو نصائح عملية.

هذه الاستراتيجية تضمن أقصى استفادة من كل قطعة محتوى، وتزيد من فرص انتشاره وتفاعله مع الجمهور المستهدف.

7. قياس الأداء وتحسين الاستراتيجية

لا تكتمل استراتيجية المحتوى المحتوى دون قياس نتائجها وتحليلها بهدف التحسين باستمرار. هناك مؤشرات أداء رئيسية KPIs يجب إتباعها، وهي:

أولًا: المدونات والمواقع الإلكترونية

  • نسبة التفاعل Engagement Rate: تُقاس عبر التعليقات والمشاركات على المقالات.
  • معدلات التحويل Conversion Rate: تُحدد بناءً على الاشتراكات، تنزيل الملفات، أو المبيعات الناتجة عن قراءة المحتوى.
  • وقت البقاء على الصفحة Time on Page: يُقاس عبر أدوات مثل Google Analytics لمعرفة مدى اهتمام القارئ بالمحتوى.

ثانيًا: مواقع التواصل الاجتماعي

  • نسبة التفاعل Engagement Rate: تشمل الاعجابات، التعليقات، المشاركات، وحفظ المنشورات.
  • معدلات التحويل Conversion Rate: تُقاس من خلال عدد النقرات على الروابط وعدد التسجيلات أو المبيعات الناتجة عن المنشورات.
  • نسبة الوصول والمشاهدة: والتي تعكس عدد الأشخاص الذين شاهدوا المحتوى ومدى انتشاره.

تحليل هذه البيانات يساعدك في فهم ما ينفع وما لا ينفع. أنصحك بتطبيق التجربة المستمرة واختبار A/B، إذ تجرّب أشكال مختلفة من العناوين، وأنواع المحتوى، وأساليب العرض؛ بهدف معرفة أيها يحقق أداءً أفضل.

8. بناء مجتمع حول المحتوى وتعزيز التفاعل

لا ينبغي أن يكون المحتوى مجرد بث من طرف واحد، بل محركًا لحوارٍ مستمر مع الجمهور، من خلال بناء مجتمع متفاعل يزيد من ولاء العملاء ويحوّلهم إلى سفراء لعلامتك التجارية. يمكن تحقيق ذلك عبر:

  • تشجيع التعليقات والمناقشات من خلال طرح أسئلة في نهاية المقالات والمنشورات.
  • إطلاق مسابقات وتحديات تدفع الجمهور إلى التفاعل والمشاركة.
  • إنشاء مجموعات مغلقة على فيسبوك أو تيلجرام لمشاركة محتوى حصري وتعزيز التواصل المباشر.

تحفيز الجمهور على إنشاء محتوى حول العلامة التجارية User Generated Content يعد أحد أقوى استراتيجيات التفاعل، إذ يعزز المصداقية ويزيد من انتشار العلامة التجارية من خلال مشاركة عملائك لتجاربهم وآرائهم.

ختامًا، المحتوى الناجح ليس مجرد أفكارًا إبداعية، بل منظومة إنتاج متكاملة يقودها فريق محترف من كُتاب المحتوى وصُناع المحتوى المرئي وخبراء التسويق وتحليل البيانات. يمكنك الاستعانة بخدمات المتخصصين على خمسات في أي وقت، حتى تبدأ بتنفيذ استراتيجيتك وتحقيق نتائج فعالة.

تم النشر في: مارس 2025
تحت تصنيف: التسويق الرقمي | التسويق بالمحتوى