صديقنا أحمد تخرّج حديثًا من كلية إدارة الأعمال بعد أربع سنوات من الاغتراب والبُعد عن أهله وأصحابه، وهو دخل هذا الفرع حُبًا بهذا المجال الذي أصبح صيحة من صيحات العصر الحديث، كيف لا وجميع الشركات أيًا كانت أصبحت بحاجة إلى نظام إداري مُتكامل للمُضي قُدمًا ومواكبة التطوّر المُتسارع في شتّى المجالات.

أحمد يمتلك أيضًا شغفًا في الهواتف الذكية والحواسب اللوحية، وهو مُتابع جيّد لجديد هذه الأمور، حتى أنه يُمضي في كل يوم ساعة على الأقل لاستكشاف ما هو جديد في عالم الأجهزة الذكية وتجربة التطبيقات والنصائح التقنية على أجهزته الخاصّة، ولهذا السبب كان يعمل بدوام جزئي أثناء فترة دراسته لشراء الأجهزة الجديدة فور صدورها.

وبعد العودة إلى أرض الوطن للبدء في رحلة تأسيس حياته، أيقن صديقنا أن هذا الطريق ليس مفروشًا بالورود أبدًا، وهو بحاجة إلى مهارات كثيرة ليكسب ود صاحب العمل للاستفادة مما تعلّمه سابقًا، لكنه كان يُؤمن أيضًا أن ريادة الأعمال من الأمور الهامّة في هذا العصر، وبسبب احتكاكه بالمُجتمع الغربي شاهد أمامه الكثير من روّاد الأعمال الذين لم يجدوا في الوظيفة التقليدية ضالتهم، بل استثمروا أموالهم الخاصّة في مشاريع جديدة أملًا منهم في أن تُأتي ثمارها في يوم من الأيام.

سلك أحمد نفس الطريق، فهو جمع مبلغًا من المال ورأى أن مُتابعته لعالم الأجهزة الذكية وجديدها هو البداية المثالية، وما كان منه إلا أن ذهب إلى السوق واشترى أحدث حاسب لوحي وقام بتثبيت تطبيقات جديدة عليه وغيّر واجهاته قليلًا وأضاف وظائف لم تكن موجودة في نظام التشغيل الأصلي، وتوجه بعدها إلى السوق لبيع الجهاز بسعر أغلى، والأمل يحدوه لأنه استثمر كل أمواله في شراء الحاسب اللوحي وتطبيقاته وبعض الإضافات الخاصّة، وبالتالي بيع الحاسب بسعر أعلى ولو بقليل يعني أنه حصل على ربح مادّي، وهي مُعادلة ريادة الأعمال بأبسط شكل مُمكن.

انتظر أحمد أيامًا وأسابيع دون أن يتمكّن من بيع الجهاز لأحد حتى بعد عرضه للبيع على المواقع الإلكترونية، ليجد نفسه دون مال ودون وظيفة، وبالتالي أصبح خيار البحث عن الوظيفة هو الحل الأمثل بالنسبة له لتعويض ما خسره والبدء بالاكتفاء ذاتيًا وتحمّل مسؤولياته الخاصّة بعيدًا عن مُساعدة أهله.

أحمد، زيد، مُحمد أو عمرو ما هم إلا أمثلة على أشخاص قرروا دخول عالم ريادة الأعمال لكنهم فشلوا بسبب أو بآخر، فالإيمان بفكرة وتحويلها إلى حقيقة يترتّب عليها الكثير من المسؤوليات وخصوصًا الماديّة، وجميعهم أخطأوا باستثمار أموالهم في مشروع واحد دون وجود احتياطي يدعم قوتهم اليومي على الأقل.

ريادة الأعمال تتطلب بالفعل التفرّغ في بعض الحالات، لكنها أيضًا تتطلب وجود مورد مادي مُستمر، وهو شيء غير مُمكن في عالمنا العربي على الأقل، فالمُستثمرين هُنا لا يشتروا سمكًا في الماء على عكس المُستثمرين في الولايات المُتحدة الأمريكية على سبيل المثال الذين من المُمكن أن يؤمنوا بفكرة دون وجود نموذج أو تنفيذ لها على أرض الواقع.

لكن هذا لا يعني أنك بحاجة لأن تُحبط، أو لأن تظن أنك بعيد كل البعد عن عالم ريادة الأعمال، فإذا كُنت مُوظّفًا في إحدى الشركات وتتقاضى راتبًا شهريًا فهذا يعني أنك الشخص الأمثل للبدء في عالم ريادة الأعمال ولو ببطئ. أيًا كان راتبك وأيًا كانت نسبة مصاريفك الشهرية حاول أن تدّخر جزءًا من المبلغ وتركه دون مساس، بعدها يُصبح الطريق مُمهدًا لك للبدء في مشروعك الخاص والبحث عن فريق عمل يُساعدك في تحويل الفكرة إلى حقيقة، فأنت هنا لم تُكرر خطأ صديقنا أحمد، بل قُمت بوضع جزء من المال في فكرتك الخاصّة مع وجود رافد مادي ولو بسيط قادر على ضخ الحياة في المشروع لفترة من الزمن على أمل الحصول على استثمار مادي بعد تنفيذ جزء من المشروع وتحويل الفكرة إلى حقيقة.

لو توظّف أحمد في شركة بعد تخرّجه واستثمر ما قام بجمعه سابقًا في حاسبه اللوحي لكان وقع الخسارة عليه أخف، فهو على الأقل ما زال يمتلك رافدًا ماديًا يدعمه يوميًا، فالنجاح في حالة الخسارة يعني الخروج بأقل الخسائر المُمكنة.

هذه أمثلة لروّاد أعمال أرادوا دخول هذا المجال من بابه الصغير بسبب ضعف الحيلة المادية، فهم امتلكوا فكرة، لكن الشق المادي لم يخدمهم كثيرًا. في المُقابل هُناك أشخاص يمتلكون بالفعل مبالغ ماديّة ويرغبون في دخول عالم ريادة الأعمال، لكن عدم وجود فكرة لتنفيذها إلى حقيقة يحول بينهم وبين هذا المجال.

هؤلاء الأشخاص ليسوا بقلّة أبدًا، وهُناك الكثير منهم، لكن الخطأ الذي يقومون به هو تجميد هذه المبالغ دون أن تزيد بانتظار اللحظة المُناسبة التي قد لا تأتي، أو قد تسوء الحالة ليبدأوا بصرف جزء من هذه المبالغ في شراء أشياء ليسوا بحاجتها لأن النفس البشرية طمّاعة بطبعها ولهذا السبب يبتعدوا شيئًا فشيئًا عن تحويل أحلامهم إلى حقيقة.

هؤلاء الأشخاص بإمكانهم بالفعل تحريك أموالهم وعدم المُخاطرة بها كثيرًا لحين إيجاد فكرة جديدة أو لحين إيجاد مشروع يستحق استثمار أموالهم الخاصّة به. يُمكن ولزيادة هذه المبالغ التوجه إلى استثمارها لكن في مجال أو سوق ثابت وبمعدلات مخاطرة قليلة أو منعدمة وإن كان العائد قليل نوعًا، وبالتالي عوضًا عن وضع ١٠٠ دولار أمريكي على سبيل المثال وتركهم كذلك، يُمكن تشغيلهم ليصبحوا ١٢٥ دولار أو ١٥٠ دولار أمريكي مع نهاية العام، وهذا يعني أن رأس المال كبر وأن الدخول إلى عالم ريادة الأعمال أصبح أقرب وأقرب.

لا تحتاج إلى إنشاء تطبيق أو موقع إلكتروني لتكون رائد أعمال، وكذلك لا تحتاج لأن تعيش تلك الحياة الحرّة والمفتوحة على مصراعيها أيضًا، فمع ادلة ريادة الأعمال تعني الاستثمار بفكرة أيًا كانت لتحويلها إلى حقيقة والاستمرار في تطويرها، لكن وبسبب من الأسباب قد يكون أحد طرفي المعادلة غائبًا، ولهذا السبب يجب التغلّب على غيابه ومُحاولة الاستعاضة عنه من خلال إضافة مُتغيّرات أكثر طالما أنها في النهاية تُحقق هذه المعادلة، فـ ١+١ = ٢، لكن ١+ (٠.٥ + ٠.٥) = ٢ أيضًا، وبالتالي أطراف المعادلة يُمكن اللعب فيها بحرية مُطلقة، وتذكّر دائمًا أن كونك رائد أعمال يعني قدرتك على التغلّب على جميع الصعاب أيًا كانت.

كل ما ذكرته في الأعلى هو تجارب فردية تقبل الخطأ، ولهذا السبب من الضروري والجيّد أيضًا أن يلجأ الإنسان لبعض المراجع الأكاديمية التي تأتي من خلفية تجريبية تمت على نطاق واسع، وهُنا أخص بالذكر المقالات المُتخصصة في مجال ريادة الأعمال في أكاديمية حسوب، فبقرائتهم والإطلاع عليهم يُمكنك تجاوز الكثير من المشاكل التقليدية التي يمر بها مُعظم راوّد الأعمال خلال رحلتهم في هذا المجال الشيّق.